عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

147

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

قال أبو خبيق : الرجال ثلاثة : رجل عمل حسنة فهو يرجو قبولها ، ورجل عمل سيئة ثم تاب فهو يرجو المغفرة ، ورجل كاذب يتمادى في الذنوب ويقول أرجو المغفرة . والفرق بين الرجاء والتمني أن التمني يورث الكسل لصاحبه ، ولا يسلك طريق الجهد والجد ، وبعكسه صاحب الرجاء . فالرجاء محمود والتمني مذموم . وقال يحيى بن معاذ : إلهي أجلى العطايا في قلبي رجاؤك وأعذب الكلام على لساني ثناؤك وأحب الساعات إليّ الساعة التي يكون فيها لقاؤك . وفي بعض التفاسير : أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : دخل على أصحابه من باب « بني شيبة » فرآهم يضحكون فقال : « أتضحكون لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » « 1 » ثم رجع القهقرى ، قال : نزل علي جبريل - عليه السلام - وأتى بقوله تعالى : نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 49 ) [ الحجر : 49 ] . وقيل : إنما أوقعهم في الذنب حين سمى نفسه عفوا . وقيل : لو قال : لا أغفر الذنوب لم يذنب مسلم قط ، كما أنه قال تعالى : لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [ النّساء : 48 ] لم يشرك مسلم قط ولكن لما قال : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النّساء : 48 ] طمعوا في مغفرته . ويحكى عن إبراهيم بن أدهم ، أنه قال : كنت أنتظر مدة من الزمان أن يخلو المطاف لي فكانت ذات ليلة ظلماء يجيء المطر الشديد فخلا المطاف ، فدخلت الطواف وكنت أقول : اللهم اعصمني اللهم اعصمني ، فسمعت هاتفا يقول لي : يا بن أدهم . أنت تسألني العصمة وكل الناس يسألوني العصمة ، فإذا عصمتكم فعلى من أرحم . ثم اعلم أن تصحيح المقامات كلها بمحل الإخلاص على الحقيقة ، فمن لم يصحبه الإخلاص في كل مقام لا يسلم له الخلاص منه واللّه أعلم وأحكم .

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الفضائل ، باب توقيره صلى اللّه عليه وسلم . . . ، حديث رقم ( 134 - 2359 ) ولفظه : عن أنس بن مالك قال : بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن أصحابه شيء فخطب فقال عرضت علي الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا قال فما أتى على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم أشد منه قال غطوا رؤوسهم ولهم خنين قال فقام عمر فقال رضينا باللّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا قال فقام ذاك الرجل فقال من أبي قال أبوك فلان فنزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . ورواه غيره بألفاظ متقاربة .